عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري

259

بهجة المحافل وبغية الأماثل

ما اتفق وان أكثر جلوسه الاحتباء كما سبق فدل ذلك على أن الاحتباء من أمثل الجلسات المختارة في الوحدة والجماعات ولهذا اختارها أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم عند حديثهم عنه كما ورد في صحيح البخاري ان ابن عباس أمر ابنه عليا ومولاه عكرمة ان يقصدا أبا سعيد الخدري ليسمعا منه حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجاءوا وهو يعمل في حائط له فلما كلماه في ذلك ترك العمل واحتبى وجعل يحدثهم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . هذا وقد كره قوم الحبوة في مجالس الحديث والعلم وحال الأذان ومنهم الصوفية في حال السماع ولا أعلم له دليلا بالنقل ولا مقبحا من العقل نعم روى أبو داود ان النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى عن الحبوة في يوم الجمعة والامام يخطب ثم روى أبو داود بعده عن شداد ابن أوس قال شهدت مع معاوية ببيت المقدس فجمع بنا فنظرت فإذا جل من في المسجد أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرأيتهم محتبيين والامام يخطب قال أبو داود وكان ابن عمر يحتبى والامام يخطب وأنس بن مالك وشريح وصعصعة بن صوحان وسعيد ابن المسيب وإبراهيم النخعي ومكحول وإسماعيل بن محمد بن سعيد ونعيم بن سلامة قال ولا بأس بها ولا يبلغني ان أحدا كرهها إلا عبادة بن نسيء . قلت وعلى تقرير النهي فقد قال الخطابي في شرح السنن انما نهى عنه في ذلك الوقت لأنه يجلب النوم ويعرض الطهارة للانتقاض فنهى عن ذلك وأمر بالاستغفار وقد تبعه النووي على ذلك فقال لأنه يجلب النوم فتفوت استماع الخطبة ويخاف انتقاض الوضوء ففسر النهى بذلك وقد تتبعت الكلام عليه فلم أجد للنهي فائدة سوى ذلك وهو اللائق الموافق فلم يكن صلى اللّه عليه وسلم يلازم ما يكره أو يقبح أو ما هو خلاف الأولى والأدب وكأن مدار من كرهها على الاستحسان العرفي الذي يختلف الامر فيه باختلاف البلدان والأزمان ولا معول عليه فإنه ربما استقبح